-11,لتكن مشيئتك

 

 

 

 


 " ياه ،  يا له من قدر ، يا لمشيئتك يا إلهي " قالتها ( منى )  وهي تنظر لولديها مينا و مايكل وهما في حفلة تخرجهما من كلية الهندسة و الفرح يغمر كل خلية منهما ، ثم انسابت من عيني ( منى ) دمعة وهي تتذكر زوجها ( مراد ) الذي طالما رغب أن يرى هذا اليوم ، يوم تخرج مايكل ومينا من الكلية وحصولهما على البكالوريوس ، إنه حلم كل أب.

و تنهدت وهي تتذكر الماضي الأليم ، منذ عشرين عاما ، عندما عاد ( مراد ) من عمله و هو يشعر ببعض الآلام في بطنه ، ولكنه حاول أن يتناسى الأمر و هو يقبل ولديه الصغيرين.

يومها شعرت  ( منى ) بالقلق الشديد على ( مراد) ولكنه طمأنها قائلا و هو يضحك : إن هذه الآلام بسبب معدته التي تعاني من كثرة الأكل ، أما هي فلم تطمئن بل طلبت منه أن يذهب للطبيب.

و في اليوم التالي ، و تحت إلحاحها الشديد ذهب للطبيب الذي عندما كشف على  ( مراد ) ، قال له سنحتاج لبعض الأشعات والفحوصات ، وهنا ابتدأ ( مراد) يقلق ، فقد كانت لهجة الطبيب لا توحي بالخير.

و جاءت نتيجة الفحوصات مفزعة مؤلمة ، ورم خبيث بالكبد ، سرطان......

كم بقى لي من العمر يا دكتور ؟ قالها ( مراد) و هو يبكي بحزن شديد.

 قال له الدكتور في تعاطف: الأعمار بيد الله .

قال ( مراد ) في لهجة أشد : كم يا دكتور ؟

قال الطبيب : حوالي سنة.

 يومها غادر ( مراد) عيادة الدكتور وهو يترنح  ولا يقدر أن يصلب طوله وأحس بظلام الدنيا قدامه ، لم يكن قد أخبر  ( منى ) بحقيقة مرضه ، فلم يشأ أن يزعجها ولكنه في حاجة  لشخص يريحه من عذابه ، في حاجة أن يفضفض لأحد  فذهب لزوجته و قال لها كل شئ ....

بكت ( منى ) ، بكت بشدة و .....

و بعد أن تمالكت نفسها ، مسحت دموعها وقالت له : إذا كان باقي لك من العمر سنة واحدة ، فاحرص على أن تستغلها لتربح عمرك كله .

لم يفهم ( مراد ) ماذا تعني ؟ أما هي فأضافت بحزم رغم دموعها : إنها تجربة من الله لكي نستيقظ من الغفلة التي نحن فيها  فقد ألهتنا الحياة بمتاعبها و مشاكلها عن حياتنا الروحية ، عن عمرنا القادم في الفردوس ، فنحن كل ما يشغلنا هو العمل والعمل فقط ، والمال لضمان مستقبل أولادنا ، فأنت يا زوجي العزيز تعمل من الصباح للمساء دون التقاط أنفاسك للسعي وراء المال من أجل مينا و مايكل ، وأنا كذلك لم يكن لي هم سوى الطعام واللبس والفسح والتعليم.....

لنقم من نومنا ونقترب من الله لنربح عمرنا ، الأطباء قالوا : إنه باقي من العمر سنة ، لنحرص على استغلالها.

 وكانت هذه هي الكلمات السحرية التي غيرت من حال ( مراد ) ، فقد تاب توبة قويه وأحس بزوال الدنيا بعد ما أدرك أنه لا يبقى له سوى سنة واحدة ، و أنتظم في صلواته و قراءة الكتاب المقدس و حضور القداس كل يوم أحد ، وحاول أن يخدم في الكنيسة بكل قوته ، و أصبح يعطي أكثر من عشور أمواله للكنيسة  وتبدل تماما مراد من النقيض للنقيض و مرت السنة سريعا و .......

كل هذه الأفكار دارت في رأس ( منى ) و هي تتذكر أحداث عشرين عام مضت و هي تنظر لـ( مايكل و مينا ) وانسابت دموعها مرة أخرى ، وهي تقول :  " آه يا ( مراد ) ، كم تمنيت أن ترى هذا اليوم  ، إنها مشيئة الله "

 " نعم يا عزيزتي ، كم تمنيت أن أراه  و قد سمح لي الرب بأن أراه " قالها ( مراد ) وهو يجلس بجانبها و يتأمل ولديه.

ثم قال لها: إنها إرادة الله أن أعيش كل هذا العمر ، أن أحيا حتى أرى هذا اليوم ، منذ عشرين عاما  ظن الطب إن ما بقي لي من العمر سنة واحدة ، يا ليت الطبيب كان على قيد الحياة لكي يراني الآن وأنا حي و بصحة جيدة لأن روحي الملتصقة بالله رفعت هذا الجسد الضعيف و وجود الله في حياتي أعطاني قوة لانهائية أغلب بها المرض والألم واليأس والإحباط ، إنها معونتك يا إلهي لكل من يطلبك .... يطلبك لذاتك لا لعطاياك ، فكيف أستطيع أن أعبر عن شكري لك !          

يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ، ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الإستقصاء  ( رو 33:11 )