|
و
تنهدت وهي تتذكر الماضي الأليم ، منذ
عشرين عاما ، عندما عاد ( مراد ) من
عمله و هو يشعر ببعض الآلام في بطنه ،
ولكنه حاول أن يتناسى الأمر و هو يقبل
ولديه الصغيرين.
يومها
شعرت ( منى ) بالقلق الشديد على ( مراد)
ولكنه طمأنها قائلا و هو يضحك : إن هذه
الآلام بسبب معدته التي تعاني من
كثرة الأكل ، أما هي فلم تطمئن بل
طلبت منه أن يذهب للطبيب.
و
في اليوم التالي ، و تحت إلحاحها
الشديد ذهب للطبيب الذي عندما كشف
على ( مراد ) ، قال له سنحتاج لبعض
الأشعات والفحوصات ، وهنا ابتدأ (
مراد) يقلق ، فقد كانت لهجة الطبيب لا
توحي بالخير.
و
جاءت نتيجة الفحوصات مفزعة مؤلمة ،
ورم خبيث بالكبد ، سرطان......
كم
بقى لي من العمر يا دكتور ؟ قالها (
مراد) و هو يبكي بحزن شديد.
قال
له الدكتور في تعاطف: الأعمار بيد
الله .
قال
( مراد ) في لهجة أشد : كم يا دكتور ؟
قال
الطبيب : حوالي سنة.
يومها
غادر ( مراد) عيادة الدكتور وهو يترنح
ولا يقدر أن يصلب طوله وأحس بظلام
الدنيا قدامه ، لم يكن قد أخبر ( منى )
بحقيقة مرضه ، فلم يشأ أن يزعجها
ولكنه في حاجة لشخص يريحه من عذابه ،
في حاجة أن يفضفض لأحد فذهب لزوجته و
قال لها كل شئ ....
بكت
( منى ) ، بكت بشدة و .....
و
بعد أن تمالكت نفسها ، مسحت دموعها
وقالت له : إذا كان باقي لك من العمر
سنة واحدة ، فاحرص على أن تستغلها
لتربح عمرك كله .
لم
يفهم ( مراد ) ماذا تعني ؟ أما هي
فأضافت بحزم رغم دموعها : إنها تجربة
من الله لكي نستيقظ من الغفلة التي
نحن فيها فقد ألهتنا الحياة
بمتاعبها و مشاكلها عن حياتنا
الروحية ، عن عمرنا القادم في
الفردوس ، فنحن كل ما يشغلنا هو العمل
والعمل فقط ، والمال لضمان مستقبل
أولادنا ، فأنت يا زوجي العزيز تعمل
من الصباح للمساء دون التقاط أنفاسك
للسعي وراء المال من أجل مينا و مايكل
، وأنا كذلك لم يكن لي هم سوى الطعام
واللبس والفسح والتعليم.....
لنقم
من نومنا ونقترب من الله لنربح عمرنا
، الأطباء قالوا : إنه باقي من العمر
سنة ، لنحرص على استغلالها.
وكانت
هذه هي الكلمات السحرية التي غيرت من
حال ( مراد ) ، فقد تاب توبة قويه وأحس
بزوال الدنيا بعد ما أدرك أنه لا يبقى
له سوى سنة واحدة ، و أنتظم في صلواته
و قراءة الكتاب المقدس و حضور القداس
كل يوم أحد ، وحاول أن يخدم في
الكنيسة بكل قوته ، و أصبح يعطي أكثر
من عشور أمواله للكنيسة وتبدل تماما
مراد من النقيض للنقيض و مرت السنة
سريعا و .......
كل
هذه الأفكار دارت في رأس ( منى ) و هي
تتذكر أحداث عشرين عام مضت و هي تنظر
لـ( مايكل و مينا ) وانسابت دموعها مرة
أخرى ، وهي تقول : " آه يا ( مراد ) ،
كم تمنيت أن ترى هذا اليوم ، إنها
مشيئة الله "
"
نعم يا عزيزتي ، كم تمنيت أن أراه و
قد سمح لي الرب بأن أراه " قالها (
مراد ) وهو يجلس بجانبها و يتأمل
ولديه.
ثم قال لها: إنها إرادة الله أن أعيش كل هذا العمر ، أن أحيا حتى أرى هذا اليوم ، منذ عشرين عاما ظن الطب إن ما بقي لي من العمر سنة واحدة ، يا ليت الطبيب كان على قيد الحياة لكي يراني الآن وأنا حي و بصحة جيدة لأن روحي الملتصقة بالله رفعت هذا الجسد الضعيف و وجود الله في حياتي أعطاني قوة لانهائية أغلب بها المرض والألم واليأس والإحباط ، إنها معونتك يا إلهي لكل من يطلبك .... يطلبك لذاتك لا لعطاياك ، فكيف أستطيع أن أعبر عن شكري لك !
