لا يمكن أن تنساني   -12
 

 


( تعويم الجنيه ... ارتفاع في الأسعار ....  الجنيه يغرق بسبب الدولار.... السياحة تقل بسبب الحرب على العراق ... )

كانت هذه هي عناوين الأخبار التي قرأتها في جريدة الأهرام في بداية هذا اليوم الكئيب و كنت أشعر بالضيق والمرارة والحزن ، فالأحوال من سئ إلى أسوأ ، بداية من تعويم الجنية إلى ارتفاع قيمة الدولار ، إلى الحرب اللعينة التي يشنها بوش ( الله يسامحه ) على العراق ، والتي بسببها قلت السياحة بسبب الخوف من الحرب  و طبعا قفزت الأسعار قفزة هائلة و.......

 " بابا عايز المصروف "

قالها لي ابني ذو الـ17عاما بابتسامة كبيرة ، تمالكت نفسي قبل أن أصفعه على وجهه بسبب هذا المطلب المرعب.

" مصـــــــــروف!!!!! ... مصروف إيه ، هو إحنا حنلاقي نأكل  "

صرخت في وجهه بهذه العبارة و بعدها أحسست إني لا أطيق البيت ، فنزلت للشارع قبل أن أجن.

و في الشارع  هاجمتني تلك الأفكار المحبطة والمثبطة للهمم ، نحن في أول الشهر و أنا لا أملك ما يكفي لآخر الشهر ، فهناك مصاريف الأكل والشرب ، غير إيجار البيت و فاتورة الكهرباء و المياه ، غير درس العربي ( ابني في الثانوية العامة ) و درس المواد الاجتماعية ( ابنتي في الإعدادية ) و مصروف الست الهانم ( زوجتي الحبيبة )

يا نهار أبيض ، ده إحنا الشهر ده حنعيش على الفول والفلافل ولن نرى اللحم في العيد إلا عند الجزار ، شعرت بالضيق يتزايد داخلي وانتابني إحساس بالعجز وضيق اليد والحزن والمرارة و ......

( أشكرك يارب )

تلفت حولي لأرى من الذي نطق بهذه العبارة ، فرأيت شيخا عجوزا من الباعة الجائلين و هو يقفز بين السيارات على قدم واحدة مستخدما عصا ،  ليبيع المناديل و لفت انتباهي الصليب الذي يظهر في يده اليمنى و.....

( أشكرك يارب )

 قالها مرة ثانية بابتسامة ، فتعجبت كثيرا من حاله ، و ذهبت إليه و ....

" على إيه بتشكره ، على الفقر اللي أنت فيه ؟ "

نظر لي وقال : على إيه أشكره يا بيه ! ، أشكره على حاجات كثيرة جدا ، أولا على صحتي ، الحمد لله أنا عندي رجل سليمة فهناك الكثيرين مثلي لا يستطيعون مغادرة الفراش من المرض أو الشيخوخة ، أما أنا فبرغم سني أستطيع أن أعمل ولا أتعب.

أشكره على اهتمامه بشربنا وأكلنا ولبسنا ،  فهو لا ينسانا قط ولا يستطيع أن ينسانا فنحن أولاده.

أشكره على السلام اللي في بيتنا ، فلم يحدث قط شجار أو تذمر في عائلتي ، بل الكل يشكره ، والكل مقتنع بما هو فيه ولا يوجد من يتذمر أو يتضايق.

أشكره لأنه يجعلني كل ليلة أقف أنا و زوجتي وأولادي و نرفع أيدينا ونصلي إليه و نسبحه على إحساناته.

 أشكره لأنه عرفني طريقه و جعلني أنا الغير مستحق أن أذهب لبيته كل أسبوع لآخذ جسده ودمه.

أشكره لأنه مهما أغضبته و مهما أحزنته ومهما قسيت بقلبي عليه ، فهو دائما يسامحني و يغفر لي و ينسى كل آثامي إذا عدت إليه نادما.

أشكره ....

ياه..... أهذا  العجوز الفقير يشكر الله على كل هذا ، و أنا أتذمر على ما أنا عليه .....

سامحني يا إلهي ، فقد ارتكبت عدة أخطاء ، أولا لم أشكرك على كل عطاياك ، واكتفيت بالتذمر بسبب الأحوال المادية  فعلا هناك مئات الأشياء التي يجب أن أشكرك عليها.

ثانيا نسيت يا إلهي إنك خالق الكون و مدبر الخليقة كلها ، ونسيت إنك لا تنسى العصافير و تتذكر زنابق الحقل ، فهل من الممكن أن تنساني ؟                                                                                                                           

 باركي يا نفسي الرب و كل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس ، باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته ، الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك ، الذي يفدي من الحفرة حياتك ، الذي يكللك بالرحمة والرأفة ، الذي يشبع بالخير عمرك ، فيتجدد مثل النسر شبابك        (مزمور 103 )